محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
74
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
كلّ مؤمن سوف يحاول أن يستملك مضامين الأمل وآفاقه التي فتحتها له هذه الآية . وهنا تكمن ميزة أو فرادة القراءة الإيمانية الوجودية للقرآن . وذلك لأن صياغته اللغوية تلبّي بالضبط أمل المؤمنين هذا من أجل بعث الرجاء إلى ما لا نهاية في حالات الهلع ، والمحن ، واضطراب حبل الأمن أو انعدامه ، ثم بشكل يتعذّر تجاوزه أمام الموت المحتّم . فالمسلمون يرافقون الميت مثلا أيا تكن مرتبته الاجتماعية أثناء حياته وهم يرددون : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ . صحيح أن التلاوة الشعائرية لهذه الآية لا تعني بالضرورة أن كل مسلم قد استبطن مضمونها . ولكن العبارة تتيح لنا أن نقيس إلى أي مدى نسينا فيه هذا التفكير التأملي والمتماسك حقا في ما يخصّ الموت . فقد هجر هذا التفكير ثقافتنا الحديثة القائمة على عدم الاعتقاد أو عدم الايمان ( في نظام الحداثة لا توجد إلّا حياة واحدة هي التي نعيشها . وبالتالي فالموت يشكل قطيعة عدمية ونهائية لأنه لا توجد حياة بعد الموت . . . ) . وإذا كنا نجد في إطار سورة التوبة إيعازات تعبّر بالأحرى عن موقف قوة لدى البطل المغيّر أو المحوّل ، فذلك لأن مكّة كانت قد فتحت وأصبح أمن الطائفة مضمونا بشكل أفضل . وهكذا نجد أن البطل يستطيع ، بل ويتوجب عليه أن يمتنع عن الصلاة على الميت ، أو الوقوف أمام قبره إذا كان أحد أولئك الذين « ماتوا وهم فاسقون » كما تقول الآية الرابعة والثمانون . وينبغي عليه أن يرفض إشراكهم في الجهاد حتى ولو طلبوا ذلك . كما وينبغي عليه أن يقتلهم ويخوض ضدهم معركة لا شفقة فيها ولا رحمة ، ويجبرهم على دفع الجزية وهم صاغرون . . . وهكذا ننتقل من التبشير الموجّه إلى « القلب » ، أي إلى أولئك الذين لهم آذان لكي يسمعوا بها وعيون لكي يبصروا بها ، إلى التصرّف السياسي التمييزي المتحيّز الذي يحدّد الانتماءات ، والالتزامات ، والتصرفات باسم نظام جديد من القيم التي كانت في طور التشكّل والانبثاق والترسّخ . إن إعلان الانتماء إلى هذا النظام هو الذي يفسّر لنا سبب تسفيه العصبيات التضامنية الممارسة لدى الخصم أو الحطّ من قدرها . وهي عصبيات ممارسة داخل إطار تعددية الآلهة ( أي الشرك ) كما هو معلوم . كما ويفسّر لنا سبب تعظيم القرآن للقطيعة مع الآباء ، والأبناء ، والعشيرة ، والغنى ، والحياة المادية المباشرة ، وكل ذلك من أجل إعادة تأسيس الرابطة الاجتماعية على أسس أخرى غير السابقة . فالصلاة على الميت مثلا يعتبر عملا علنيا يرسّخ ليس فقط دمج كل فرد داخل الجماعة ، وإنما يمثّل أيضا تواصلا روحيا وحميميا مع بقية أعضاء الجماعة ، وهم جميعا مدعوون إلى الدخول في تاريخ النجاة . وبالتالي ، فإن منع الصلاة على الذين ماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ إنما يهدف إلى رسم حدود سياسية فاصلة بين طرفين ، واعتبار هذه الحدود بمثابة الشرط الأساسي للدخول في تاريخ النجاة . وهذا الدخول يمثّل الرهان الأعظم لكل التحوّلات أو المتغيرات المبتغاة في السورة المعنيّة